صديق الحسيني القنوجي البخاري

144

فتح البيان في مقاصد القرآن

إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ تعليل للنهي المذكور قبله أي ليس ما تجدونه من ألم الجراح ومزاولة القتال مختصا بكم ، بل هو أمر مشترك بينكم وبينهم ، فليسوا بأولى منكم بالصبر على حر القتال ومرارة الحرب . ومع ذلك فلكم عليهم مزيّة لا توجد فيهم وَ هي أنكم تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ من الأجر وعظيم الجزاء ما لا يَرْجُونَ لكفرهم وجحودهم فأنتم أحق بالصبر منهم وأولى بعدم الضعف منهم ، فإن أنفسكم قوية لأنها ترى الموت مغنما وهم يرونه مغرما ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ [ آل عمران : 140 ] . وقيل : إن الرجاء هنا بمعنى الخوف لأن من رجا شيئا فهو غير قاطع بحصوله فلا يخلو من خوف ما يرجو ، وقال الفراء والزجاج : لا يطلق الرجاء بمعنى الخوف إلا مع النفي كقوله تعالى : ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً [ نوح : 13 ] أي لا تخافون له عظمة . وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً لا يأمركم بشيء إلا وهو يعلم أنه مصلحة لكم . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 105 إلى 106 ] إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً ( 105 ) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ( 106 ) إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ أي القرآن بِالْحَقِّ أي متلبسا به ، والحق الصدق أو الأمر والنهي والفصل بين الناس لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ أي أعلمك اللَّهُ إما بوحي أو بما هو جار على سنن ما قد أوحى إليك به ، وليس المراد هنا رؤية العين لأن الحكم لا يرى بل المراد ما عرّفه اللّه به وأرشده إليه ، وإنما سمي العلم اليقيني رؤية لأنه جرى مجرى الرؤية في قوة الظهور . روي عن عمر أنه قال : لا يقولن أحدكم قضيت بما أراني اللّه ، فإن اللّه لم يجعل ذلك إلا لنبيه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، ولكن ليجهد رأيه لأن الرأي من رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم كان مصيبا لأن اللّه كان يريه إياه ، وإن رأى أحدنا يكون ظنا ولا يكون علما ، وقد دلت هذه الآية على أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ما كان يحكم إلا بالوحي الإلهي . وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ أي لأجلهم خَصِيماً مخاصما عنهم مجادلا للمحقين بسببهم ، وفيه دليل على أنه لا يجوز لأحد أن يخاصم عن أحد إلا بعد أن يعلم أنه محق ، ونزلت هذه الآية في بني الأبيرق ، وقد رويت هذه القصة مختصرة ومطولة عن جماعة من التابعين عند أهل السنن وغيرهم لا نطوّل بذكرها . وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ أمر لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بالاستغفار ، قال ابن جرير : إن المعنى استغفر اللّه من ذنبك في خصامك للخائنين ، وقيل المعنى واستغفر اللّه